فخر الدين الرازي
39
تفسير الرازي
الدين كان مرجوعاً إليه في الدين وقدوة في الدين ، فيدخل فيه جميع الصفات المذكورة من العلم والحلم والكرم والعفة والزهد والورع . الصفة الثالثة : قوله * ( وحصوراً ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير الحصور والحصر في اللغة الحبس ، يقال حصره يحصره حصراً وحصر الرجل : أي اعتقل بطنه ، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه ، والحصور الضيق البخيل ، وأما المفسرون : فلهم قولان أحدهما : أنه كان عاجزاً عن إتيان النساء ، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة ، ومنهم من قال : كان ذلك لتعذر الإنزال ، ومنهم من قال : كان ذلك لعدم القدرة ، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول ، كأنه قال محصور عنهن ، أي محبوس ، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب ، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز ، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثواباً ولا تعظيماً . والقول الثاني : وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد ، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب ، والظلوم ، والغشوم ، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائماً ، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين ، وإلا لما كان حاصراً لنفسه فضلاً عن أن يكون حصوراً ، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة ، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح ، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة ، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل ، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول ، أما النص فقوله تعالى : * ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) * ( الأنعام : 90 ) وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل . الصفة الرابعة : قوله * ( ونبياً ) * واعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما : قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين والثاني : ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك ، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة . الصفة الخامسة : قوله * ( من الصالحين ) * وفيه ثلاثة أوجه الأول : معناه أنه من أولاد